السيد ابن طاووس

554

طرف من الأنباء والمناقب في شرف سيد الأنبياء

فقال عليّ عليه السّلام : يا رسول اللّه ، أنقاد للقوم وأصبر - كما أمرتني على ما أصابني - من غير بيعة لهم ، ما لم أصب أعوانا عليهم لم أناظر القوم مرّ ما يتعلّق بوصيّة النبي صلّى اللّه عليه وآله لعليّ عليه السّلام بالصبر على غصب حقّه ما لم يجد أعوانا في الطّرفة الرابعة والعشرين ، عند قوله صلّى اللّه عليه وآله : « يا عليّ ، اصبر على ظلم الظالمين ما لم تجد أعوانا » . ويبقى هنا أن نشير إجمالا إلى أنّ عليّا عليه السّلام لم يبايع القوم أبدا ، وإنّما انقاد لهم بوصيّة من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وهو الّذي عبّر عنه في كتب التاريخ بالمبايعة ؛ أخذا بظاهر صورة الأمر ، هذا مع الإغماض عن أنّه ما انقاد لهم إلّا بعد استشهاد الصدّيقة الطاهرة الزهراء عليها السّلام . ففي الشافي في الإمامة ( ج 3 ؛ 242 ) : روى إبراهيم الثقفي ، عن محمّد بن أبي عمير ، عن أبيه ، عن صالح بن أبي الأسود ، عن عقبة بن سنان ، عن الزهريّ ، قال : ما بايع عليّ عليه السّلام إلّا بعد ستّة أشهر ، وما اجترئ عليه إلّا بعد موت فاطمة عليها السّلام . وفي الصراط المستقيم ( ج 3 ؛ 106 ) : وأخرج مسلم ، أنّه قيل للزهريّ : لم يبايع عليّ عليه السّلام ستّة أشهر ؟ فقال : لا واللّه ولا واحد من بني هاشم . وفي تاريخ ابن الأثير ( ج 2 ؛ 331 ) قال الزهريّ : بقي عليّ عليه السّلام وبنو هاشم والزبير ستّة أشهر لم يبايعوا أبا بكر ، حتّى ماتت فاطمة عليها السّلام فبايعوه . وقد حقّق الشريف المرتضى في الشافي ( ج 3 ؛ 237 - 273 ) أنّ عليّا لم يبايع القوم إلّا ظاهرا ، وبأمر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّه عليه السّلام احتجّ على القوم ولم يسكت ، وتخلّف عن بيعتهم ، ولو افترضنا أنّه سكت ، فإنّ السكوت ينقسم إلى الرضا وعدمه ، مع أنّ الأدلّة كلّها تدلّ على أنّه عليه السّلام لم يرض خلافتهم ولم يبايعهم . كما حقّق ذلك أبو الصلاح الحلبي في تقريب المعارف ( 220 - 227 ) وقال من جملة كلامه : وأمّا البيعة ، فإن أريد بها الرضا ، فهو من أفعال القلوب الّتي لا يعلمها غيره تعالى ، بل لا ظنّ بها فيه ؛ لفقد أماراتها وثبوت ضدّها ، وإن أريد الصفقة باليد فغير نافعة ، لا سيّما مع كونها واقعة عن امتناع شديد ، وتخلّف ظاهر ، وتواصل إنكار عليه ، وتقبيح لفعله ، وموالاة مراجعة ؛ بتهديد تارة ، وتخويف أخرى ، وتحشيم وتقبيح ، إلى غير ذلك ممّا هو